أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
90
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً . « اتَّخَذُوا » يجوز فيها وجهان : أحدهما : أنها متعدية لواحد ، على أنها بمعنى : اكتسبوا ، وعملوا ، و « لَعِباً » ، و « لَهْواً » ، على هذا مفعول من أجله ، أي : اكتسبوه لأجل اللعب واللهو . والثاني : أنها المتعدية إلى اثنين ، أولهما : « دِينَهُمْ » ، وثانيهما : « لَعِباً » ، « وَلَهْواً » . قال الشيخ « 1 » : ويظهر من بعض كلام الزمخشري ، وكلام ابن عطية أن : « لَعِباً وَلَهْواً » هو المفعول الأول ، و « دِينَهُمْ » هو المفعول الثاني . وقال الزمخشري : « أي : دينهم الذي كان يجب أن يأخذوا به لعبا ولهوا ، وذلك أن عبادتهم ، وما كانوا عليه من تحريم البحائر « 2 » والسوائب « 3 » ، من باب اللهو واللعب ، واتباع هوى النفس ، وما هو من جنس الهزل ، لا الجد . أو اتخذوا ما هو لعب ولهو من عبادة الأصنام دينا لهم ، أو اتخذوا دينهم الذي كلفوه ، وهو دين الإسلام لعبا ولهوا ، حيث سخروا به » . قال : فظاهر تقديره الثاني يدل على ما ذكرنا » . وقال ابن عطية : « وأضاف الدين إليهم ، على معنى : أنهم جعلوا اللعب واللهو دينا . ويحتمل أن يكون المعنى : اتخذوا دينهم الذي كان ينبغي لهم لعبا ولهوا » . فتفسيره الأول هو ما ذكرناه عنه انتهى . « قلت : وهذا الذي ذكراه إنما ذكراه تفسير معنى ، لا إعراب . وكيف يجعلون النكرة مفعولا أوّل والمعرفة مفعولا ثانيا من غير داعية إلى ذلك ، مع أنهما من أكابر أهل هذا اللسان ؟ وانظر كيف أبرزا ما جعلاه مفعولا أوّل معرفة ، وما جعلاه ثانيا نكرة في تركيب كلامهما ليحذو على كلام العرب ؟ فكيف يظن بهما أن يجعلا النكرة محدثا عنها ، والمعرفة حديثا في كلام اللّه تعالى ؟ قوله : « وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ » يحتمل وجهين : أحدهما : أنها مستأنفة . والثاني : أنها عطف على صلة « الَّذِينَ » أي : الذين اتّخذوا ، وغرّتهم . وقد تقدم معنى « الغرور » في آخر آل عمران « 4 » . وقيل هنا : غرّتهم من « الغرّ » - بفتح الغين - أي : ملأت أفواههم ، وأشبعتهم ، وعليه قول الشاعر : 1960 - ولمّا التقينا بالحليبة غرّني * بمعروفه حتّى خرجت أفوق « 5 » وقوله : وَذَكِّرْ بِهِ أي : بالقرآن ، يدل له قوله : فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ « 6 » . وقيل : يعود على « حِسابِهِمْ » . وقيل : على « الَّذِينَ » . وقيل : هذا ضمير يفسّره ما بعده ، وسيأتي إيضاحه . قوله : أَنْ تُبْسَلَ في هذا وجهان :
--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 155 ) . ( 2 ) البحائر : جمع بحيرة وهي الناقة أو الشاة التي تشق أذنها بنصفين ، وكانت العرب تفعل بهما ذلك إذا نتجتا عشرة أبطن فلا ينتفع منهما بلبن ولا ظهر . وتترك البحيرة ترعى وترد الماء ويحرّم لحمها على النساء ويحلّل للرجال فنهى اللّه تعالى عند ذلك - اللسان « بحر » 216 . ( 3 ) السوائب : جمع سائبة وكان الرجل في الجاهلية إذا قدم من سفر بعيد ، أو برى من علة ، أو نجّته دابة من مشقة أو حرب قال : ناقتي سائبة ، أي تسيّب فلا ينتفع بظهرها ، ولا تحلّاء عن ماء ، ولا تمنع من كلأ ، ولا تركب . وقيل : بل كان ينزع من ظهرها فقارا أو عظما فتعرف بذلك . . . وكان أول من فعل ذلك « عمرو بن لحيّ » - وقيل : السائبة : هي أم البحيرة . . . اللسان : سيب 2166 . ( 4 ) بل في أوائلها في آية ( 24 ) . ( 5 ) انظر البيت في البحر ( 4 / 155 ) ، روح المعاني ( 7 / 186 ) . ( 6 ) سورة ( ق ) ، آية ( 45 ) .